غُربة ..!

✍️ رحاب المرزوق – كتب لـ “هجر نيوز” 

أحنُّ إلي أبي وأخيْ وأمّيْ
وأذكُرُ يومَ أزمعتُ الرّحِيلا
تقولُ الأمُّ: يا طفليْ سلاماً
وربُّ الكونِ يَهديكَ السَّبيلا
إذا بَعُدتْ ديارُ الأهلِ عنّي
غدَا قلبيْ بساحتِهِمْ نَزيلا
‎ ( الشاعر مصطفى قاسم عباس )

للغربة لغة شحيحة في المشاعر ، وسطوة عجيبة على أبسط أبجديات الحياة ،وكأنك قد انتزعت قطعة من روحك وتركتها بعيدة عنك ،ففي الوطن كل شيء مختلف ، رائحة الأرض ، ودفء الأماكن ، دعاء الأم ، ونصائح الأب ، مشاكسة الاخوة ، ألوان الشوارع … حتى ابواب بيوت الجيران ، وتلك الأحياء التي الفتها العين منذ الصغر ، بل حتى تفاصيل الحياة اليومية .
أما وجع الحنين فله حكاية أخرى ، حتى وإن كان التواصل مستمر ، فوقع الصورة يختلف حتماً عن معانقة الواقع .
بالأمس كتبت أختي المغتربة بضع كلمات عن صديقتها في الغربة ، بضع كلمات … نقلت بها كم هائل من المشاعر ربما رأيته مجلداً كبير وله عدة فصول .. يختصر معنى الأمان ، وهو أمر غير قابل للبحث في مفرداته سوى إنه الرفقة التي تتقاسم معها رغيف الإشتياق ، والفرح و الحب وشيء كبير من الهموم . همست لأختي بأن تتمسك بتلك الرفيقة لأن الغربة هي المحك الحقيقي الذي يفند الأمور وتتضح معه الرؤية تجاه الأشخاص .
لأنه وببساطة عند غياب إحتواء العائلة والسند وصخب الصحبة يبقى ذلك الفراغ الذي يُظهر معادن البشر فنراهم يبحثون عن كل نسمة هواء تحمل معها الإنتماء لوجودهم الحقيقي ، فتذوب الفوارق وتختفي المسميات وتتلاشي الطبقات أمام وحدة الهوية .
وهنا تأتي المفارقة الواقعية بين من يعيش الإغتراب لفترة ما تعقبها نجاحات وبعدها عودة واستقرار وبين من يعيش غربته في داره ومع أهله ، يحمل عبء ثقيل لا ينتهي إلا برحيله عن الدنيا .. ذلك الشخص الذي يقضي حياته رافضاً لواقعه ، حربه مع ذاته مستمرة دون هوادة ، لا مجال للهدنة .. قصيرة كانت أم طويلة ، يفتقد مهارة التصالح مع نفسه ومجتمعه وحياته بأكملها ، يعيش صراع الغربة حيث لا صديق ولا رفيق ، وجوده يقتصر على بطاقة شخصية ورقم في الأحوال المدنية .. والكثير من معلقات التذمر التي علقها على أسوار مدينته الفاضلة ، يتخبط بين آلاف الآراء .. يعيش اليوم بأمجاد الأمس وحسرة المستقبل لأنه وجد أن طبيعة البشر من حوله ومن منظاره الأعمى هي الخيانة والزيف والكذب ، تحمل الأرض ثقل حياته ويشتكي الأكسجين من استهلاكه فيما لا ينفع البشرية ..
مفارقة عجيبة بين غربة وطن وغربة روح ..!

اترك رد