*التعايش مع المختلف ديناً ومذهباً.. مبدأُ إسلامي أم ضرورة إنسانية وتقية مداراتية… قراءة في رؤية السيد منير الخباز للتعايش*

✍️ طالب محمد الحمد كتب لـ” هجر نيوز ”:

التعايش الإنساني مبدأ قرآني إسلامي أصيل دعا له الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات الكريمة. وهنا في هذا الجزء الأول من هذا المقال نقرأ في الاصول الخمسة التي ذكرها سماحة السيد منير الخباز في احدى ندواته.، و التي تؤكد أن التعايش الإنساني مع المختلف هو مبدأ قرآني إسلامي أصيل وليس ضرورة إنسانية او تقية مداراتية كما قد يصفها البعض.

الأصل الأول :
الكرامة الإنسانية :
فالكرامة تستلزم التعايش مع الآخر مهما كان دينه او مذهبه اَو عرقه او لونه او لغته ، وهذا مبدأ أصيل في الدين الإسلامي، حيث قال تعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) ، فهذه الكرامة نوعان : كرامة كونية من الله تعالى حيث كرمه بالعقل والارادة ، وكرامة تشريعية حيث كرمه بأن جعل له حرمة في نفسه وعرضه وماله وكل شؤونه، وبما أن عدم التعايش مع الاخر ووضع الحواجز بين الإنسان وأخيه الإنسان من حواجز الدين أو اللغة أو العرق أو اللون وغير ذلك من حواجز التواصل والتعايش التي تتنافى مع التكريم . لذلك فالتعايش هو المنسجم مع كرامة الإنسان وليس التناكر والتنافر .

الأصل الثاني :
تكامل الطاقات والقدرات :
فالهدف من وجود المجتمع الإنساني على الأرض هو تلاقح الطاقات والقدرات ، وتعاونها وتكاملها ، قال الله تعالى ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) حيث إن المراد من تفسير الاية كما ذهب الى ذلك بعض المفسرين انه كناية عن امر أعمق من اختلاف اللون واللسان.. وهو اختلاف الطاقات والقدرات ، وهذا من آيات الله في خلقه كما قال الله تعالى؛ لأنها مظهر من مظاهر بديع صنعه وعظمته سبحانه و تعالى لذلك تجد أن هناك من يمتلك طاقة ذهنية واخر جسدية واخر روحيه وهناك من يمتلك قدرة فنية واخر تحليلية ، َهكذا تتكامل هذه الطاقات والقدرات للنهوض بالمجتمع الإنساني تحت ظل التعايش الذي اراده الله تعالى .
و الآية الثانية في هذا الصدد قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) فالمقصود بالتعارف هو خلاف التناكر ورفض البعض للبعض الاخر. والدعوه للتعايش هو تعارف ، وهدف هذا التعارف هو تبادل الطاقات والقدرات ليكمل كل مجتمع انساني بقدراته مع المجتمعات الاخرى.، وليكن كل مجتمع في حاجة المجتمع الانساني الآخر . ومن هنا تنشأ الحضارات وتتكامل وتتبادل بقدراتها وخبراتها مع بعضها البعض .

الأصل الثالث :
الإعداد الفطري لحماية الحقوق والرموز والحريات :
فاننا نجد ان في الغرب منظمات و جمعيات تُعنى بالدعوة لحماية الرموز الدينية والحريات والحقوق، فهل هذا امرُ ابتكره المجتمع الغربي أم أن له أصلاً في القرآن الكريم يدعو إلى هذا الأمر ، فالمتدبر في آيات الله تعالى يجد أن القرآن الكريم قد سبق كل هذه المجتمعات في الدعوه إلى حماية واحترام الرموز الدينية والحقوق والحريات، وهذا نجده في قوله تعالى ( وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ) ، وبما أن الله خلق الناس عَلى الفطرة والقيم الانسانية لذلك فإن في كل مجتمع من سيدافع عن هذه القيم الفطرية و الانسانية المشتركه. واننا نجد أن الله تعالى لم يذكر المساجد فقط بل ذكر الصوامع والبيع والصلوات ، وهذه رموز دينية لمعتقدات غير إسلامية ؛ وهنا دعوة صريحة وواضحة الى ضرورة احترام الرموز الدينية للأديان والمذاهب الأخرى ، ليس ذلك فحسب بل وحماية حقوق اصحاب تلك المعتقدات َوحرياتهم . وهذا من أساسيات التعايش السلمي في المجتمع الانساني.

الأصل الرابع :
إحترام حرمات الناس :
فالله سبحانه تعالى خاطب الناس في آيات كثيرة ، حيث يبدأ قوله تعالي بقوله سبحانه ( يا أيها الناس) وهنا إشارة إلى أن القرإن الكريم ليس للمسلمين فقط بل هو للناس كافة.
وهناك آيات كريمة ناهزت على ال ١٦٠ آية كريمة تتحدث عن شؤون الناس بماهم أناس لا بماهم مؤمنون او متدينون اَومسلمون، وهذه الآيات تتحدث عن شؤونهم وحقوقهم ، وحدودهم، ولو جمعنا كل تلك الايات لوجدناها تدعو إلى ضرورة الوفاء بحقوق الناس كافة.
فمثلاً في قوله تعالى ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) فالله تعالى تكلم عن حقوق الناس جميعا.وليس فقط عن حقوق المؤمنين.

وقال تعالى في أية كريمة اخري ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فالله تعالى يأمرنا بالعفو ان إساءات الناس وأخطائهم حتى ولو كانو مختلفين معنا في الدين او العرق اواللغه وماشابه.
وهذه آية كريمة ثالثة تدعو لإعطاء الحقوق للناس جميعا والحكم بينهم بالعدل حيث قال تعالي ( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ) اذاً فمن حق كل إنسان أن ن يحضى بمحاكمة عادلة كحق من حقوقه الاصيلة، مهما كان دينه او مذهبه أوعرقه أولونه .
وبعد ذلك كله فلنأتي الي هذه الأية الكريمة التي تصور لنا مدى احترام الإسلام للنفس الإنسانية ومدى تأصيل كرامة وحرمة النفس البشرية في القران الكريم، قال تعالي ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ) فجريمة قتل النفس البشرية بدون حق وهتك حرمتها فكأنما اقترف أكبر جريمة على وجه الأرض؛ وهي قتل الناس جميعا ، وهذا من الأدلة الكبيرة على عظمة احترام الإسلام للنفس البشرية.
وقال تعالى ( وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) ،
من هذا كله نفهم أن الله تعالى دعانا إلى التعايش الإنسانى السلمي وحفظ حقوق الناس جميعا والحكم بينهم بالعدل ، وحفظ النفس البشرية واحترامها.

الأصل الخامس :
هدف الدين هو إقامة العدل وبسطه على الارض كلها، حتى لغير المؤمنين به.

قال تعالى ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) فالهدف هو إقامة العدل والقسط لجميع الناس، بمختلف اديانهم واجناسهم ومعتقداتهم.

اذا نستنتج من كل ماسبق أن التعايش الانساني مع المختلف دينا او مذهبا أو عرقا هو مبدأ قرإني إسلامي أصيل ، وليس فقط ضرورة إنسانية. وهذا ينطلق من كرامة الإنسان ومن الهدف القرإني لوجود الحياة البشرية ، وينطلق من احترام حرمات وحقوق الناس وينطلق كذلك من خلال الهدف من وجود الدين وهو اقامة العدل والقسط بين الناس.

ولهذا المقال تكملة في الجزء الثاني بإذن الله تعالى

اترك رد