صمت ما بعد القراءة..

✍️يوسف أحمد الحسن – كتب لـ” هجر نيوز ”: 

هل مررت ذات يوم ولو في شبابك بمرحلة وقعت فيها في الحب وعندما قابلت محبوبتك ولو مصادفة ثم انتهى اللقاء ، جلست بعدها تفكر فيها هائما في جمال روحها ، ممتنا للحظ الذي أوقعك في هذا الحب ، مفكرا فيما قد يحصل مستقبلا متصورا جميع الأحداث السعيدة القادمة ، وفجأة يمر الوقت وأنت لا تشعر به ؟

هل قمت بزيارة معلم سياحي وبعد أن تمتعت بهذه الزيارة ابتعدت عنه وأنت تنظر إليه ساهدا ناسيا ما حولك تفكر في جماله أو الجهد الذي بذل في تنفيذه ؟

هل حضرت لقاء مثيرا مع شخصية استثنائية من نوع ما وبعد انتهاء اللقاء بقيت مدة تفكر فيما جرى خلاله وكم وددت أن يكون أطول مما كان ؟

يمر بعض من ينهي قراءة كتاب – خاصة من يستمتع فعلا به ولا يتعجل في القراءة – يمر بهذه اللحظات بعد كل كتاب . فإذا حصل وأنهيت قراءة كتاب وحصل لك هذا الشعور الجميل والنادر ، فلا تسمح لأحد أن يقطع عليك هذه النشوة الجميلة والتي لا تشبهها أية نشوة أخرى ، بل خطط لها قبل أن تنهي أي كتاب تحبه ثم اقطع صلاتك مع جميع محيطك الحقيقي والافتراضي وتمتع بهذا الوقت ، لأنها ببساطة لحظات الدهشة الجميلة التي تلي كل حدث جميل .

خلال تلكم اللحظات تمر أهم الكلمات والأفكار التي تمت قراءتها في حال كان كتابا فكريا أو ثقافيا مع تمعن فيها استحسانا أو نقدا ، كما تمر أحداث ووقائع أو شخصيات الكتاب في حال كان رواية ، ويتم تخيل أشكال وأحوال الشخصيات ومآلاتهم  بعد انتهاء الرواية . ويطلق البعض العنان لأفكاره لحد يتمنى لو أن أحداث الرواية كانت بشكل آخر وهي ما تسمى ( القراءة الفاعلة ) وليست ( المنفعلة ) .. وإن كان القارئ كاتبا فإنه وفي فترة صمت ما بعد القراءة قد يتمنى أن يكون هو نفسه كاتب ذلك الكتاب وقد يقول : كيف لم تخطر ببالي هذه الفكرة ؟

ولماذا لم أكتب كتابا كهذا ؟

يقول دانيال بناك في كتابه متعة القراءة : لأنه ضروري أن ندع الزمن يقوم بعملية التخمير الرائعة قبل أن يكون باستطاعتنا أن نتكلم عما قرأنا . هذا الصمت هو ضمان حميميتنا . صحيح أننا انتهينا من قراءة الكتاب لكننا لا نزال فيه . مجرد ذكره يفتح ملجأ لتمرداتنا . إنه يحمينا من “الخراج الكبير” ، ويقدم لنا نقطة مراقبة تعلو بكثير المشاهد العارضة . لقد قرأنا ، وها نحن نصمت .إننا نصمت “لأننا” قرأنا . ويقول في مقطع آخر : وأحيانا يكون التواضع سبب صمتنا ويفسر التواضع بقوله : الوعي الذاتي ، المتوحد ، والمؤلم نوعا ما ، بأن هذه القراءة ، بأن هذا الكاتب “غير حياتي” . ويضيف : أو فجأة ، هذا الانبهار الآخر الذي يعقد اللسان : كيف يعقل أن ما هزني بعنف لتوه لم يغير مجرى العالم في شيء؟ أيعقل أن يكون قرننا على ما هو عليه بعد كتاب دوستويفسكي

( الشياطين ) ؟

وأخيرا يقول : ( ما أكبرها من متعة للقارئ ، متعة الصمت بعد القراءة ) .

6
1

اترك رد