المسحراتي فلكلور رمضاني من عبق الماضي إلى ألق الحاضر.. فيديو :

هجر نيوز | سوزان شيبانيه :

ارتبط تاريخنا الرمضاني ارتباطًا وثيقًا بالمسحراتي، أو كما يسميه أهل الخليج (بو طبيلة) نسبةً إلى الطبل الصغير الذي يمسكه في يده، تراث عهدناه من الآباء والأجداد، ليبقى لهذا الرجل المعطاء ، نصيب الأسد من تلك الذكريات.

(بو طبيلة) أو ( المسحراتي / المُسحر / وفي المغرب يسمونه النفار ): رجل نشيط يرتدي زيًا شعبيًا ويمسك بطبلة صغيرة في يده يقرعها بالعصا، وهو محبٌ لعمله بل عاشق له، يحبه الأطفال وينتظرون سماع صوته ، وليس الأطفال فحسب بل له وقع في نفوس الكبار أيضًا، تبدأ مهمته التي كانت تعتبر كمهمة رئيسة في ذلك الزمن، نظرًا لعدم سهر الناس حينها، بل يعملون نهارًا وينامون ليلًا فيحتاجون لمن يساعدهم في الاستيقاظ.!!

و قبل صلاة الفجر بساعتين، يبدأ ترانيمه وأهازيجه الجميلة التي تتزين بها ليالينا الرمضانية، وكأنه يتمخض التفاصيل التي نعيشها معه مع كل انبلاج لفجر أو غروب لشمس ، ومما زاد جماله وجاذبيته، نداءه المشهور (يا نايم وحد الدايم)، فيدور على البيوت بيتًا بيتًا، مساهمًا في إيقاظ الناس لتناول وجبة السحور، هديًا بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم “تسحروا فإنّ السحور بركة”، وقوله أيضًا، “تسحّروا ولو بجرعة ماء”.

و حسب موقع ويكيبيديا فإنّ بلال بن رباح أول مؤذّن في الإسلام، ومعه ابن أم مكتوم، كانا يقومان بمهمّة إيقاظ النّاس للسّحور، بأذانين: الأول يؤذّن فيتناول النّاس السّحور، والثّاني ليمتنع النّاس عن تناول الطّعام.
وأول من نادى بالتسحير عنبسة بن إسحاق ســنة 228 هـ وكان يذهب ماشيًا من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وينادي النّاس بالسحور، وأول من أيقظ النّاس على الطّبلة هم أهل مصر.
أما أهل بعض البلاد العربيّة كاليمن والمغرب فقد كانوا يدقّون الأبواب بالنبابيت، وأهل الشّام كانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطّنابير وينشدون أناشيد خاصّة برمضان.

وفي هذا الصدد يقول الباحث التاريخي عبد رب الرسول الغريافي: لاشك أن الطرق والعادات تتنوع وتختلف بين المناطق حسب تأثير البيئة عند المسحرين، ولكن يظل الهدف واحد وهو إيقاظ الصائم وقت السحر وقبل الأذان؛ ليتزود بالأكل والشرب قبل وقت الصيام الذي كتب على المسلم ………، فالظروف الاجتماعية وكذلك البيئة وطبيعة انثروبولوجيتها، تخلق بعض الإضافات البسيطة المتراكمة، ما يجعلها تتحول إلى عادات مستقلة تخص مسحري كل مجتمع.

ففي الخليج العربي -مثلا- يأخذ المسحر طابعًا عامًا متميزًا به عن بقية المناطق العربية، كما وتختص كل منطقة بعادتها الخاصة بها حسب ظروفها.

فالمسحر مثلًا في منطقة القطيف ونواحيها نجد أنه في بعض القرى يحمل معه طبلًا ،والبعض يكتفي بحمل عصا متينة تعرف بــ(العجرة)، ليطرق بها على الأبواب، وكان قبل زمن الكهرباء يحمل معه فانوسًا يعمل بالكيروسين (الكاز)، أو مصباحًا يعمل بالبطاريات، ليبدد عنه الظلام ويساعده على الرؤيا.

(المسحراتي) هو حلم كل طفل في البلاد الإسلامية ينتظرونه خلف الأبواب والنوافذ وفي الحارات والشوارع ليرسخ في ذاكرتهم بطل رمضاني خارق بطبلته وإنشاده!! ورغم تقدم التكنولوجيا وتوفر وسائل التنبيه عبر الأجهزة الذكية فإنّ الناس في مختلف الدول العربية، والخليج عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة، تتهلل أساريرهم فرحًا وسرورًا بسماع طبلة وصوت (المسحراتي) في ليالي رمضان، فيخرج الأطفال من منازلهم ليسيروا خلفه، أو يطلّون من النوافذ لرؤية (المسحراتي)، وهو يمسك طبلته، ويبادلونه التحية والسلام والتهنئة بقدوم الشهر الكريم، تختلف الجمل والنداءات التي يرددها ومن أشهر نداءاته العبارات التالية:

يا نايم وحّد الدّايم يـا غافي وحّـد الله
يا نايم وحّد مولاك اللي خلقك ما ينساك
قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم

ها هو( المسحراتي) يجوب في كل ليلة الأزقة والحارات والبيوت محافظًا على هذا الموروث الشعبي المحبب لدى الصغير والكبير، معززًا سحر الليالي الرمضانية بهمة عالية ليس لها نظير، ، وعلى الرغم من قلة وجود هذا (المسحراتي) في شوارعنا وأحيائنا هذه الأيام ، إلا إنّ تواجده في بعض الأزقة يعيد لنا شريط الماضي الذي يحملنا إليه على أكف من الحب.
فها هي رحلة الثلاثين تستعد لتحزم حقائب الوداع، فتمضي نحو بدايات العيد، حاملة معها أجمل التفاصيل التي كتبها التاريخ على أرفف من الذكريات الجميلة ،
يا لها من أيام تمخر عباب الماضي وتأتي محملة بعبقه
فيا ترى هل ستندرس تلك المهنة كغيرها …؟؟
سؤال صعب لن نجد له إجابة ( نافية ) إلا لدى من أقسموا بأن لا يموت أبدًا من تراثنا ما يستحق!!

المراجع :

ويكبيديا – الباحث التاريخي عبدرب الرسول الغريافي بواسطة : أ/ منى الصبي، مختارات كتابية أ/ رحاب المرزوق، جمع سوزان شيبانية، تدقيق : أ/ أفراح السماعيل. 

 

 

اترك رد