مامدى تأثير منصات التواصل الاعلامي على العولمة؟

هجر نيوز |   فاطمة عبدرب الرضا الخواجة :

‫منذ ظهور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واتخاذها حيزاً رئيسياً من حياة الانسان اليومية، جذبت اهتمام الباحثين في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة، نظراً لارتباطها في مناحي الحياة المختلفة خاصة في عصر العولمة. و من أهم تكنولوجيا المعلومات وأكثرها إثارة في هذا الحقل هو الانترنت وما يشكله من حلقات رابطة بين السياسة والاقتصاد والثقافة. «العولمة» هي نظام عالمي جديد يقوم على الابداع في شتى مجالات الحياة وعلى التطور والازدهار والتقدم التكنولوجي ولا سيما ثورة الاتصالات التي أزالت الحدود الجغرافية والزمنية والمكانية بين أفراد وشعوب العالمين العربي والغربي. ومن وجهة نظر أخرى فهي تمثل تداخل أنماط حياة الشعوب وثقافتهم في بعضها البعض واندماجهم عبر مختلف الوسائل والبرامج التي يتيحها ويوفرها لهم التقدم والتمدن الحضاري اليوم. وعليه يمكن القول أن مواقع التواصل الإجتماعي زادت من تقليص الحدود الجغرافية والزمانية بين العالم من خلال إلتقاء الأفراد وحتى المؤسسات في العالم الإفتراضي وهي بذلك أعطت دفعا جديدًا للعولمة وعولمة العالم أكثر فأكثر.

‫لعل “القرية العالمية” التي أشار إليها مارشال ماكلوهان في منتصف القرن التاسع عشر هي التي أثارت الأسئلة حول امكانية اندماج الشعوب وثقافاتها لتتحول بالفعل الى قرية واحدة. وعلى الرغم من صعوبة اختبار صحة هذه الفرضيات إلا أن العديد من الأمثلة توضح صعوبة هذا التجانس المطلق. فقد تتغير عادات الاستهلاك اليومية لسلع معينة وكماليات في حياة الانسان لكن من الصعب أن تتغير جوهر العادات والتقاليد والمعتقدات المرتبطة باللغة والدين والمجتمع. ولعل هذا ما يدفع المجتمعات لإعادة انتاج ما هو “عالمي” محلياً. وبهذا قد يكون الانترنت تحدياً للعولمة الثقافية أكثر من كونه محفزاً لها.

تأثير شبكات الاعلام الاجتماعي على العولمة الاجتماعية والثقافية

ومع زيادة التطور إلى وقتنا الحالي المتزامن مع «ثورة شبكات التواصل الاجتماعي» وبروز وسائل «الاعلام الاجتماعي» الجديدة – ظهرت أشكال متعددة للعولمة، كان ومازال من أهمها «العولمة الاجتماعية والثقافية» والتي عززتها تقنيات التواصل الحديثة المتمثلة في «السوشيال ميديا» و«منصات الاعلام الجديد». ومع تزايد أعداد مستخدمي ورواد مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا» اتسعت دائرة «العولمة الاجتماعية والثقافية» وذلك نتيجة لاتصال شريحة أكبر من الناس بمختلف المجتمعات العربية والغربية، يحملون أفكارا جديدة وأنماطا للحياة مختلفة، يتناقلون معلومات جديدة تغذي عقولهم وتغير ميولهم واتجاهاتهم، فكان لا بد من أن تحمل هذه العولمة مجموعة من السلبيات تدق أجراس الإنذار في حياتنا وتحمل تيارا جديدا يشكل لنا خطرا لا يستهان به.

فلم يعد الانتاج المعلوماتي حكراً على طبقة معينة بل أصبح فضاءً مفتوحاً للجميع وعلى الرغم من مساهمة الاعلام الاجتماعي في التقليل من الفجوة المعلوماتية بين المجتمعات الا ان الاختلافات العميقة لا زالت صامدة في وجه التغيير. بل وبالعكس، ففي بعض الحالات رفعت النجاحات العالمية من سقف المتوقع انتاجه محلياً، ويظهر هذا جلياً في عصر أفلام بوليوود الهندية ونوليوود النيجيرية التي اقتبست عن هوليوود إطارها العام وحولته الى انتاج محلي يعكس هموم المجتمعات المنتجة لها. ومن ناحية أخرى تلعب اللغة في هذا المجال دوراً صريحاً خصوصاً مع اعتماد اللغة الانجليزية كلغة الانترنت. ومع ذلك تلحظ حرص مواقع الانترنت العالمية ومحركات البحث ومنصات الاعلام الاجتماعي على توفير عدة لغات لضمان الوصول الى أكبر عدد ممكن من المتصفحين. لعل أفضل مثال على ذلك هو الموسوعة الالكترونية “ويكيبيديا” التي وصل عدد اللغات المتوفرة عليها في آب 2007 الى نحو مئة واربعة وسبعين لغة بالرغم من توفر النسخة الانجليزية منها. “جوجل” أيضاً مثال صارخ على الاهتمام بمحاكاة تعدد اللغات والثقافات، حيث أن لكل دولة نطاقها الرقمي الخاص بها.

الانترنت و العولمة الثقافية

محاولات الانترنت المتعددة في تجاوز الحدود السياسية والجغرافية لم تفلح في اختراق الحدود الثقافية وتمسك المجتمعات بهوياتها بالحد الأدنى. ويشير كاستلز في هذا المجال الى رغبة الشعوب بالتميّز عن غيرها من خلال هويتها الثقافية الملموسة وهذا ما يشكل تحدياً آخر للعولمة الثقافية وهذا ما يمكن إجماله بشعور المواطنة والانتماء من خلال العادات المشتركة والذاكرة الجمعية والتاريخ والمعتقدات والرموز. إذاً بالرغم من سيل المعلومات العالمي على الانترنت الا أن صلابة الهوية الثقافية وقدرة الشعوب على امتصاص وهضم الثقافات الدخيلة قد يكون بطيئاً نسبياً. وهذا ما يلخصه جيمس لول بقوله: على الرغم من اتساع نطاق الاتصال بالتكنولوجيا بشكل هائل إلا أنها لن تجعل من العالم شعباً واحداً.

 

36

اترك رد