عادات الأحساء في رمضان … دافئة كدفء الأحضان…

عبداللطيف الوحيمد

✍️ عبداللطيف الوحيمد :

تبرز الأحساء كواحدةٍ من أعرق مناطق المملكة بعاداتٍ وتقاليد اجتماعيةٍ أصيلةٍ تعكس عمق الترابط والتكافل والتكامل بين أفراد المجتمع.

ومن العادات القديمة في رمضان ولا تزال قائمةً في مجتمعنا حتى الآن قيام بعض الأسر بتقديم المأكولات التي تُعدها لمائدة الإفطار للجيران الذين يقومون بدورهم بمبادلتهم هذه الهدية المتعارف عليها محلياً بكلمة (نقصة) فعند وشك أذان المغرب ترى الصبية من بنين أو بناتٍ يحملون على رؤوسهم أو بأيديهم صواني الأطباق إلى الجيران ويأخذون منهم حصتهم مما أُعد لمائدة ذلك اليوم وهذه العادة الاجتماعية المتأصلة في الأحساء تمتد لعقودٍ من الزمن كنوعٍ من التكافل الاجتماعي الذي حث عليه ديننا الإسلامي وأوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم للجار من البر والإحسان والمعروف وتخصيصه بما يطبخه أهل البيت من الأطعمة.

وهناك عادة أخرى وهي تبادل الحاجات بين الجيران أو النواقص التي يتطلبها الطبخ كالبصل أو الطماطم أو الدهن أو السكر أو الدبس أو الطحين وخلافها ولا يكون ذلك إلا بين الجيران الحميمين الذين يحسون وكأنهم أسرة واحدة وليس بينهم تكلف في التعامل أو مجاملة حيث ترسل المرأة ابنها أو ابنتها الصغيرة إلى إحدى جاراتها لتجلب منها الشيء الفلاني والعكس.

هذا بالإضافة إلى عمق التواصل الاجتماعي بين الرجال والنساء والعائلات سواءً على صعيد الأقارب أو الجيران أو المعارف وتقوى هذه الرابطة في شهر رمضان الذي يحلو فيه السمر وتبادل الزيارات واللقاءات الحميمة وتفتح الأسر الكبيرة مجالسها التي تنشئها لمناسبات الأفراح والأتراح وكل ما يقوّي عرى القربى وتستقبل فيها المهنئين بحلول شهر رمضان وتبقى مفتوحة طوال الشهر المبارك من بعد صلاة التراويح حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل ويتوافد عليها الأقارب والمقربون إلى هذه الأسرة ومعارفها من مختلف المدن ويتبادلون فيها الأحاديث العامة وتعقد فيها الدروس الدينية والأمسيات الأدبية.

كما توجد عادة (القرقيعان) التي تشتهر بها الأحساء ودول الخليج العربي ولا تزال حتى الآن وتمتد لمدة ٣ أيامٍ يرتدي فيها البنين الثياب والطواقي فيما ترتدي البنات البخانق فوق الفساتين وهم يرددون أنشودة (القرقيعان) وهي (قرقع قرقع قرقيعان بيت قصيّر ورميضان عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم يوديكم لاهاليكم يا مكة يا معمورة ياأم السلاسل والذهب يا نوره عادت عليكم صيام في كل سنة وفي كل عام).

وتقوم الأسر خلال أيام (القرقيعان) بتوزيع المكسرات والحلويات على الذين يطرقون أبوابهم لهذا الغرض وكانت الأسر في الماضي تعطي الأطفال هذه المكسرات من صحنٍ كبيرٍ تغرف منه المرأة حفنةً في يدها وتضعها في جيب الصبي أو كيسه أو طاقيته أو تنثره في بخنق الصبية ولكن هذه الطريقة تطورت في السنوات الأخيرة وأخذت المكسرات والحلويات تعبأ في أكياسٍ أو علبٍ أنيقةٍ أو تقدم على شكل لعبٍ أو مع لعبٍ صغيرةٍ وبعض الأسر تجمع الأطفال في بيتها وتحتفل بهذه العادة بتعليق عناقيد الأنوار الملونة والبالونات وأدوات الزينة وتقوم بتقديم أكياس (القرقيعان) على الأطفال الذين يحضرون هذه الحفلة السعيدة.

ولا ننسى عادةً من العادات القديمة في رمضان وهي (بو طبيلة) وتعرف في الحجاز بالمسحراتي وهو الشخص الذي يطوف الأحياء في ليالي رمضان بعد منتصف الليل يدق طبلته ويردد بعض الأدعية التي تشجع النائمين على الاستيقاظ للسحور وما أن يبدأ في المسير حتى يتبعه الصبيان ويدورون معه من سكةٍ إلى سكةٍ وهم يرددون أهازيجه المحببة أما بالنسبة للفتيات فيكتفين بالتفرج عليه من بُعد بالوقوف أمام منازلهن أو الإطلالة عليه من النوافذ أو السطوح.

وتزداد أهمية (بوطبيلة) عند منتصف الشهر حيث يحل يوم (القرقيعان) فيطوف الأحياء نهاراً ويتجول معه الأطفال وهو يجمع ما يعطيه الناس من (القرقيعان) في كيسٍ محمولٍ على حمار ومثل هذا يحصل في العشر الأواخر من رمضان حيث يطوف نهاراً لجمع التبرعات والصدقات التي يقدرها الصائمون فمنهم من يعطيه نقوداً ومنهم من يعطيه مأكولات أو ملابس ومنهم من يعطيه زكاة الفطر التي ينوون إخراجها عنهم وهو يردد (عادت عليكم) ويردد الأطفال المرافقون له (والشر ما يجيكم) ويستمر في الطواف بالبيوت حتى منتصف النهار ثم يأوي إلى داره بعد أن أنهكه التعب وأثقلت حماره الغنائم.

ومن المظاهر السنوية التي تشهدها الأحساء في شهر رمضان المبارك قيام عددٍ كبيرٍ من الشبان والأطفال بنصب طاولاتٍ واسطباتٍ أو عرباتٍ متنقلةٍ لبيع البليلة أي الحمص والباقلا والذرة والترمس والنقانق والكباب والبطاطس المقلي والكبدة الطازجة التي تُشترى من أسواق اللحوم وتُقلى في المقالي وتعبأ في شطائر أو صحون وتباع على المارَّة.

ويحقق الباعة لتلك المواد عائداً مالياً مجزياً في نهاية الشهر الكريم فقد أكد أحد الباعة تحسن أحواله المادية من ريع هذا النشاط حيث تجد هذه المأكولات المحببة للناس في رمضان بالذات إقبالاً كبيراً من الرجال والنساء والأطفال.

ولا يكاد يخلو شارع من شوارع الأحساء وميادينها وحدائقها وأرصفتها المستعملة مضامير للمشاة من باعة الأكلات الشعبية الخفيفة حيث تخلو المعدة من طعام الإفطار من بعد صلاة التراويح وتشتهي النفس أكل هذه الأطعمة وتؤكل أثناء السير بالسيارة أو عند الجلوس في الحدائق والاستراحات والمزارع وغيرها.

ويتفنن هؤلاء الباعة في إغراء الزبائن فيما يبيعونه بوضع المحسّنات والمنكّهات من شطةٍ وكاتشب وفلفل وبهارات وخلٍ أو ليمون وسلطة وملح وزبدة وغيرها مما يرغّب الآكلين فيها ومع حلول الفطر يتقلص عدد أولئك الباعة إلى أكثر من النصف لأن الإقبال على أطعمتهم يتراجع عما هو عليه في رمضان ويكون عدد الباعة في القرى وفي الأحياء الشعبية في المدن أكثر مما هو في الأحياء الحديثة وذلك لما تتسم به القرى والأحياء الشعبية من البساطة أكثر من الأحياء الحديثة التي تطغى عليها مظاهر التمدن التي تكتسح الكثير من العادات القديمة والأصيلة.

 

سفير النوايا الحسنة

عضو هيئة الصحفيين السعوديين وهيئة الاعلام المرئي والمسموع

شاعر وكاتب ومؤلف

اترك رد