الأدب الانساني – اليوم الأخير..

✍️ أحمد مكي – كتب لـ | هجر نيوز.

بعد ما يزيد عن العام من تقاعدي من مهنة الصحافة حضورا في مكتب، لا يزال يطرق باب ذاكرتي اليوم الأخير في مكتبي، الذي ودعت عندما بلغ منتهاه زملاء أعزاء كنت أعتقد أنني لن أودعهم يوما،

وحينما ألقيت النظرة الأخيرة على كرسي جلست عليه لسنوات، حتى عندما مل مني واهترأ بعض جلده فإنني لم أغير جلدي ولم أشأ أن أستبدله بآخر، وحينما أطفأت جهاز الكمبيوتر على بضع كلمات خطها قلبي مودعا ردحا من عمري قضيته في غرفة عبقت بأنفاسي وبدخان سجائري قبل أن يمنع التدخين في الغرف، ولأحمل سيجارتي إلى خارج مبنى الجريدة أنفث دخان محبوبتي وأنا أفكر في الغالب ب “مانشيت” اليوم..

لا أدري كيف مر أمام خاطري طيف السنوات ال44 التي أمضيتها في بلاط صاحبة الجلالة، مذ دخلت عتبتها للمرة الأولى في المحبوبة جريدة “القبس” التي كانت عشقي الأول ومدرستي التي فيها تعلمت فنون المهنة وأصولها، قبل ان أنتقل إلى العزيزة جريدة “الأنباء” التي علمتني الصبر والجلد وزادت من عشقي للمهنة، ومنها إلى الغالية على النفس جريدة “الراي” التي كانت عشقا من نوع آخر، فضاء لا يشبه سواه، حلقت فيه على مدى 18 عاما.. وبالمختصر المفيد كانت تجربة ثرية، وكنت محظوظا أن أكون أحد أبنائها.

ومن طيف إلى آخر، عبرت مخيلتي البدايات وراتب ال76 دينارا، وكان أول معاش أتقاضاه من جريدة “القبس” وسر الدينار الذي ميزني عن باقي الزملاء.

لا أزال حتى اليوم أشتم رائحة حبر الطباعة والصفحات صفراء اللون التي كانت أول بروفة عن صفحات الجريدة، والحبر الذي يعلق على اليدين وأطراف القميص.

كيف لي أن أنسى تلك الأيام التي نمت لياليها في الجريدة، متقوقعا على كنبة في قسم الاستقبال حين لم أكن أمتلك سيارة، وكيف لي أن أتجاهل يوم دوامي بعد ليلة عرسي مباشرة لظروف تقتضيها ظروف المهنة.

أما صوت باعة الجرائد على إشارات المرور فذلك قصة أخرى، يحملني إلى ذلك الزمن الجميل.

44 عاما شعرت في آخر يوم دوام لي وكأنها كلها اختصرت في يوم، وكأنها ليلة البارحة، آه كم يمضي العمر سريعا دون أن نحس به أو نلتفت إلى أيامه المنصرمة واحدا تلو آخر، لا ندرك عدد الأيام والسنين إلا حينما نقف على عتبة اليوم الأخير.

أما اللحظة الحاسمة فكانت عندما دق جرس الرحيل، ألقيت نظرة الوداع على المكتب والكرسي وجهاز الكمبيوتر، والأوراق التي كنت قد رتبتها وكأنني سآتي في الغد إلى الدوام، ولحظة أغلقت الباب خلفي دون أن أجرؤ على النظر وغادرت المبنى سريعا والدموع تترقرق في المآقي.

عشت تجربتي ..عشقي. .ولن تبارحني حتى يوم ..الرحيل.

اترك رد