ليتني كُنت مبصراً ..!

✍️ عباس السالم – كتب لـ | هجر نيوز.

كانت البدايه في طريقٍ مزدحم جداً ،
رأيتها تمسكُ بيده خائفة متوجسة تترقب وقوف هذا السيل المنهمر من السيارات
لفت انتباهي ذلك الصبي الذي يبدو للوهله الاولى وكأنه أكبر منها سناً صامتاً لا ينبس ببنت شفة ، وكأنما تسمر بذلك الرصيف .
أثار ذلك المشهد فضولي فتقدمت خطوات المتثاقل نحوهما.
وإذا بي أسمع تلك الكلمات التي وقعت وقع السهم في قلب الطريدة .
ليتني كُنت مبصراً لأمسك بيدك ونعبر الشارع.

ودونما تردد رمقت ببصرى نحو وجه ذلك الصبي الذي يتسم بالبراءة والنقاء… نعم لقد كان كفيفاً. وقد اختبرهُ الله جل شأنه في حبيبتيه.

ودونما تردد وأظنها غريزة الأبوة التي دفعتني. فمدّدتُ يدي نحوهما برفق وقلت لهما:
ماذا لو عبرنا سوياً ؟
إبتسمت وكأنما هطل عليها من السماء صيباً نافعاً..
عبرنا الطريق وأنا أردد ((سبحانك ربي علام الغيوب.))
فنحن حينما تتفكر في عجائب تقدير الله وقضائه وفلسفة شروره وبلائه.
وهنا وقد يعترض بعض الجاهلين بحكمة وجود هذه الآلام في الحياة على العدل الالهي ويظنون بربهم الظنون، ويبدو من بعض القرائن أن هذه من المسائل التي شغلت الانسان منذ بدء الخليقة .
ومما ينسب لأرسطو قوله إن الموجودات من ناحية الخير والشر يمكن تقسيمها نظريا الى خمسة أقسام : ما هي خير محض لا شر فيها أصلا و ما كان فيها خير كثير وشر قليل ، ما يتساوى فيها الخير والشر و ما كان فيها شر كثير وخير قليل، و ما هي شر مطلق لا خير فيها بتاتا.
ويصرح أرسطو بأن الأقسام الثلاثة الأخيرة لا وجود لها مطلقا في عالم المخلوقات، وإنما تنقسم المخلوقات الى قسمين رئيسيين : ما هي خير محض لا شر فيها أصلا مثل الملائكة التي خلقها الله سبحانه وتعالى لتقوم بدورها في الوجود وكلها خير لا يصدر منها أي شر، والصنف الثاني هي المخلوقات التي في وجودها الخير الكثير، ولكن قد يكون فيها بعض الشر القليل.
فلا يعني نقص وبلاء اذا ما قورن بالخير والفضل الجم.
فسبحانه قدّر الرزق ودبر الأمور . ومما لا يمكن إن يتسرب من ذاكرتي إنتي ذات مساء كنت في أحد الصيدليات للحصول على دواء ما .
دخل شاب تظهر عليه علامات القلق والهلع صارخاً:
أبي يا دكتور أرجوك أنقذ أبي ..
خرج الطبيب وذلك الشاب بسرعة خاطفة ثم عاد وتناول دواء وخرج، و لحقت بهما من باب الفضول .فرأيت الطبيب وهو سقى ذلك الرجل الدواء، لحظات و تقيء ما كان في جوفه ثم تنفس الصعداء .
ودون أي تردد قبل الشاب رأس الطبيب وعدنا للصيدلية.
وعند خروجي من الصيدلية أدهشني ما شاهدت، قطة قد أنهكها الجوع فأخذت تلعق ما تقيء الرجل.
فسبحان الله ضمن لها رزقها، ببلاء غيرها.
فليتني .. ليتني كنت مبصراً لنعماء الله ..

8 thoughts on “ليتني كُنت مبصراً ..!

  1. بوركت أبا محمد، نقلت لنا مشهد مسرحي من خلال هذا المقال ..
    تجسدت من خلال شخصيات تبعثرت في البحث عن الذات مرورًا بطرق مزدحمة وصولاً إلى الإيمان بقضاء الله وقدره..

    حفظك الباري ودمت كما عهدنَاك أيها النبيل 🌹🙏🏻🌹

  2. لا شي جديد كعادتك تبدع في سردك القصص المعبره والجميله ي استاذي الفاضل وبالحقيقه القصه معبره جداً تجعلنا نستشعر نعم الله علينا وان الله سبحان وتعالى لا يخيب ظن عبدٍ أحسنه به فقط ثق بالله شكراً لك مجدداً يااستاذ عباس

  3. ما شاء الله ، طرح موفق من الأخ التربوي، الاستاذ القدير عباس السالم.
    فعلاً اللهم لك الحمد على هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى،
    قصة سريعة ومختصرة ولكن مؤثرة وتجعلنا – فعلاً كما قال أخي عيسى – نستشعر النعم التي قد نهفو عنها او لا نذكرها أو ننساها، فاللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه.

    شكرًا لك أ. عباس على هذا التذكير، وواصل على نهجك وكتاباتك وابداعاتك. 🙏🏼

  4. عند قراءتي لمقالك استاذي الكريم لم اعد اشعر بمن حولي
    فتجسدت مقالتك امام ناظري وعايشتها بكل احاسيسي وجوارحي
    فعلا .. احنا في غفلة عن نعم الله سبحانه وتعالى
    لانشعر بها الا بعد زوالها
    شكرا لك استاذي الكريم على هذه المقالة الجميلة ☺🌹

  5. تحية طيب
    مذ بداية القراءة للمقال احسست بشعور غريب شدني أى أكمال
    المقال
    شعور واحساس يجعلك داخل موقف تكلم عنه الكاتب
    مبدع
    أ.عباس
    واصل الكاتب فكلنا شوق لمقالك القادم

اترك رد