مهندس العبارة الشاعرية “عبدالله الأحمد “

✍️ حسن المبارك – كتب لـ | هجر نيوز.

 

أطـلَّـتْ وعـيـني فـي تـعقُّبِها سـكْرَى
وأسْرتْ إلى الأنْوارِ سُبْحانَ مَن أسْرَى
أطــلِّــيْ فــعـنْـدِي لـلـحـيَـاةِ بــرَاعــمٌ
مُـعـتَّـقةُ الأشْـــواقِ مـدْفـونـةً دهْـــرَا
أطــلِّـيْ لـيـجْـتَاحَ الـربـيـعُ مَـوَاسـمي
ويـعْـصرَ فــي أعْـنَـابِ أوْرِدَتــي خَـمْرَا
تـــمــرُّ ويــصْـفـرُّ الــحـيَـاءُ بـوجْـنَـتـي
وأدْريْ بـحـظِّـيْ مِـــن تـلـفُّـتِها صِـفْـرَا
تـــمُــرُّ ولا تـــــدْريْ بـــــأنَّ تـلـهُّـفـيْ
يُـقـبِّـلُـها مِـــن كُـــلِّ نـاحِـيَـةٍ عَــشْـرَا

هَذهِ المعْزوفةُ الشعريةُ عزفها الفنانُ الشاعري: عبد الله بن عيسى الأحمد/ أبو جنة من مدينة العمران- الرُميلة مواليد 1392 هـ.

الشاعر : عبدالله الأحمد
الشاعر : عبدالله الأحمد

شاعرنا كان واحداً مِن عشْرةٍ أو يزيدون، هم أعضَاءُ منتدى العمرانِ الأدبي، عرفتُه أستاذاً يَبخلُ بأستذتِهِ مِن فرْطِ خجَلِه… هادئُ حدَّ الصَّمْتِ, لا يداخلُ على حديثِ مَن سبَقَهُ إلَّا في فاصلٍ يسوق له الدول, شاعرٌ حَذِرٌ جداً يحترمُ موهبتَهُ حدَّ الخَوفِ مِن الكتابةِ، يقولُ عنْهُ الاستاذُ الشاعر والناقد جاسم المشرف: (الشاعرُ عبدُ الله الاحمد يجمَعُ بينَ الفكرةِ المركزةِ والتعبيرِ الشاعري الجميلِ، شاعرٌ مُقلٌّ ومُجِيدٌ، وتجْربَتُه أنْضجُ مِن كثيرٍ مِمَّن مَلأُوا الساحةَ حُضُوراً وضجيجاً وكلاماً مكرراً. تتجاذبُه خصلتان: الجرأةُ في الكتابةِ الشعرية، والحياءُ الملْفِتُ في الحياةِ الاجتماعيةِ، ربما الأخيرة حالتْ بينهُ وبين إبْرَازِ ما يعتمل في داخلِهِ مِن رغباتٍ محتدمةٍ وعواطفَ جيَّاشةٍ).

شاعرُنا عبد الله الأحمد يحملُ في صدْرِهِ الكثيرَ مِن كُتبِ التراثِ يقرأُ في الحداثةِ ويُقْر بُها، يقول: بأنَّ (شهادتَه في الهندسةِ الكيمائيةِ وعملِه كمهندسٍ تفرضُ عليهِ الواقعيةَ في الكتابةِ). لا يكتبُ إلَّا حينَ يستفزُّهُ الشعرُ وتدغْدِغُهُ المشاعرُ.

سـالت جدائلُها فكانت شِعري
وسـكرت لكن بانسكاب الطهر
ظلت تعاقرني الحنان وتنجلي
آلامُ صــدري بـاحتضانِ الـصدرِ
أدري بـأني لـم أكـن في جنة
لـكنني في حضنِها.. لا أدري!!
أنـا لا أقـولُ “أنا أُحبُكِ”..ما أنا؟
أنــا تـمـرةٌ ذابــت بـمـاءِ الـثغرِ

يَخْتزِنُ في مُخيِّلتِهِ صُور ثلاثةً مِن الشعراءِ الكِبَار: (الجواهري, ومحمد العلي, وجاسم الصحيح) تعلقه ومجالسته وكثير مسامرته لوالده منذ الطفولة اكسبه حب الشعر وقراءة الأدب وكان له تأثيراً كبيراً في ثقافته العامة.

يقول في رثائه:

يـسـلـيه الــكـرى لــكـن جـفـاهُ..

وكـيـف يـنـامُ مــن يـنـعى أبــاهُ؟

يحاصرني الأسى من كل صوبٍ..

كــقــبـرِكَ إذ يُـغـطـيـكـم ثـــــراهُ

ويـعصرني الأسـى فـي دكـتيه..

وأحـــبــسُ صـــرخــةً فــتـفـرُ آهُ
أبـــي أبـتـي..أتُطفى مـقـلتاهُ؟..

وتُـسدلُ عـن مـباسِمِهِ الـشفاهُ؟
أبــــي أبــتـي..وأي أبٍ عــزيـزٍ ..

(كـــأن الله لـــم يـخـلق ســواهُ). 

وعاداته كما يقول. يتنقلُ في كتابةِ القصيدةِ مِن ضفْةٍ إلى أخْرَى، السحابُ هو بُرَاقُه إلى التيهِ في اللاحدود

أُريدُكِ طائر الشوقِ المُعنّى * * * يطيرُ بجانبي ويرفُّ حولي
وتحضننا الغيومُ إذا التقينا * * * ونسجعُ بالغناء بكل حقلِ
ولا أرضاكِ في قفصِ المرايا * * * كظلّي حيثُ كم أتعبتُ ظلي

كتبَ الأهازيجَ والشعْرَ العمودي والتفعيلةَ, ويكتبُ القصيدةَ الشعبيةَ. لم ينحَاز لدراستِه الاكاديميةِ في الهندسةِ الكيمائيةِ بدرجةِ ماجستير، عن الشعْرِ والأدَبِ والمطالعةِ في شتى مصَادرِ العلومِ والثقافةِ العامةِ. هو أحدُ أعْضاءِ مُلتقى أبنِ المُقرَّبِ الأدَبَي بالدمام. ينشرُ كلما أتَاحَ لهُ الوقتُ ذلك.

هـطـلتِ فـي مـهجتي قـطراً مـن الـعنبِ *** فــصـار لــي قـلـبُ صـوفـيٍ وروحُ نـبـي
وكــان لــي فـيـكِ مـعـراجان مـن شـغفٍ *** إن جــدَّ لــي سـبـبٌ أسـمـو إلـى سـببِ
وصــرتُ أُبـصـرُ مــا فــوق الـظـنونِ ومــا *** أدنــى إلــى الـصـدرِ مــن آهـاتِ مُـغتربِ
مـلأتـني ثــم خـلـتُ الـكـونَ فــي رئـتي *** وصـرتُ ألـمسُ مـا فـي الـروحِ من شُهُبِ
لا تـسـكـبي لــم يـعـد بـالـكأسِ مـتـسعٌ *** فـــاض الـغـرامُ ومــاج الـكـأسُ بـالـطربِ
لا تسألي الوقت عن عمري وعن شَغَبي *** الـوقتُ مـن بـعضِ أشـيائي ومـن لُـعَبي
عــشـقـي تَــعـتَّـقَ مـــن تــفـاحِ آدَمِـــهِ *** وشـقـوتي فـيـكِ لــم تـبرح بـعمرِ صـبي
أناقةُ المُفْردةِ وتصَابي المعْنَى في البيتِ الشعريِّ عنْدَ هَذا الشاعِرِ الأحمد عبد الله يسْهمانِ في بِنَاءِ القصيدةِ ويؤثثانها بأحْرفِه المتناسقة وألفاظِه الجذَّابةِ لتسحرَ القارئَ بهذا الصرحِ الشعري والسكنِ الأدبي البديع:

عندما
تغرق في نقطة وقتٍ
وترى العمق بأعماقك أعمق
فتعمق
وتعمق
ربما لؤلؤةُ السرِ بمحارٍ بأعماقك تُخلق
عندما تطفو كحبات غبار ٍ
أو قصاصاتِ ورق
وترى الدرب شريداً
وترى الرحلة تلتفُ على غيرِ نسق
وترى الضوءَ تغشاه ظلامٌ في محيطٍ من غسق
فتعمق علَّ في ذاتك بعداً آخراً
يفضي إلى الدربِ
وباباً ما انغلق.
عندما تبصرُ أوراقك تذوي في خريفِ العمرِ
تصْفَرُّ وتسّاقطُ أوراقَ الشبق
وترى اللهفةَ ما كانت سوى رشفةِ كاسٍ
وترى اللذةَ كأساً واندلق وتسائلت وماذا بعد هذي السكرة الأولى
وهل بالعمرِ كأسٌ آخرٌ أو نبيذٌ وانعتق
فتعمق علا في روحك ينمو الحب
يدعو لربيعٍ آخرٍ ينتفضُ الصحوُ به
وترى ما لم ترى عينٌ و لا ثغرٌ نطق

ويلوح بشعره إلى الأحساء:
لــوِّح إلـى الأحـساءِ يـا شِـعرُ *** فـلحضنِها فـي خـافقي عطرُ
لــوِّح إلــى الـمـشمومِ تـنثرُهُ *** كـلُّ الـدروبِ ويـنتشي الصدرُ
ذي نـخلةُ الأحـساءِ قد فتحت *** بــاع الـهـوى ويـرحِّـبُ الـتـمرُ
يـا صِـنْوةَ الأمـلاكِ فـي نُـسكٍ *** يـنسابُ مـن أعـطافِك الـطُهرُ

اترك رد