معرض كتاب في شارع

 ✍️ يوسف الحسن – كتب لـ | هجر نيوز.

 

شارع يضرب بأطنابه في عمق التاريخ حتى يصل إلى عصور الدولة العباسية ويستمر حتى اليوم مرورا بعشرات الحكام الذي أضفى كل منهم عليه من طابعه ومزاجه ، كما غير من اسمه وعمارته . إنه شارع المتنبي في بغداد الذي يعرف باحتوائه على عدد كبير من المكتبات العريقة ودور النشر وما يتعلق بهما كالمطابع والمقاهي والمنتديات الثقافية .

ورغم أن طول الشارع لا يصل إلى الكيلومتر الواحد ، إلا أنه ظل منارة فكرية وثقافية في العراق لمدد طويلة رغم ما اكتنف بعض الفترات من وهن وخفوت . ولا نتحدث هنا عن شارع نموذجي في العمارة وأساليب مثالية في عرض الكتب ، بل عن المحصلة النهائية لهذا الشارع الذي تعرض فيه بعض الكتب على رفوف منظمة وأخرى على الإسفلت الحار أمام المارة ، وبعضها على عربات متنقلة أحيانا ، لكن الإقبال عليه ظل متواصلا حتى إن مرت عليه بعض سنوات القمع وتكميم الأفواه .

ويعتبر هذا الشارع علامة فارقة في العاصمة العراقية حتى قيل إن زيارتها لا تكتمل إلا بزيارته ، ذلك أنه من المبهج حقا للمرء أن يجد شارعا مخصصا بكامله للكتب والقراءة أسوة بشوارع أخرى خصصت لأمور أقل أهمية . ومما يميز كتب هذا الشارع أنها تتناسب مع مختلف الأذواق ، حيث تبدأ أسعاره من أقل من دولار واحد لتصل إلى عشرات الدولارات ومئاته ، كما تتنوع كتبه بين الفاخرة والمستعملة وحتى الممزق منها ، متضمنة المخطوطات القديمة والقيمة .

ويعطي هذا الشارع درسا لبعض مخططي المدن في أهمية الأخذ برغبات الناس حين تصميمها ، لأن العمارة حينما تكون أم الفنون ، فهي أيضا مرآة صادقة تنعكس عليها ثقافة الشعب ونهضته ، وكما أنها تؤثر في ثقافة المجتمعات ، فهي أيضا تتأثر به . وكما يقوم مسوقو بعض المنتجات الاستهلاكية بتشجيع الناس على التبضع ، يمكن للعمارة أيضا أن تمارس دورها الهام في دفع الناس لشراء الكتب والقراءة . وكما يتم اقتراح توزيع مكتبة البيت على جميع الغرف والصالات فيه لكي تكون قريبة من أفراد الأسرة في كل وقت ، فإن العمارة يمكنها أن تفعل الشيء نفسه لكن على مستوى المدن فيما يسمى أنسنة المدن ، حيث تتعاطف المدن مع كافة طبقاتها ومكوناتها وأفرادها كما كان يحصل دائما في شارع المتنبي ، بعيدا عن تسليع العمارة وتشيؤها .

وعندما يشعر الرياضيون بحنين لأرض الملعب حتى إن كبروا وعجزوا عن الرياضة ، وتتهلل وجوههم حين المرور بالملاعب الرياضية المتوزعة في أنحاء المدن ، فحري بنا أن نرى في مدننا أمرا كهذا فيما يتعلق بالكتب والمكتبات ، حيث يتم خلق حالة من الحب للكتب والقراءة ، كما يتم خلق الروح الاستهلاكية لديهم لأمور أخرى .

اترك رد