(ذاكرة الوفاء بصمة الوصل) المرحوم عبدالله الجاسم أبي ضيف.

عبدالله النصر، بلدة الجبيل، الأحساء.

يفاجئنا الرحيل، ويهدنا الألم، والأمر الذي لا يأفل ويترك بصمة ذات فارق خلاب هو العمل الطيب والسيرة العطرة الذين يتركهما الراحل في قلوب الناس، وعندما تخالجنا الكتابة عن الأخ والصديق الأستاذ المرحوم عبدالله الجاسم أبي ضيف،

تتسع الذاكرة حتى أنها لتود أن تظل تسرد طويلاً كل ما علق بها دون كلل أو ملل، لكن المقام يجبرنا في بضع سطور أن نختصر قلبٍ أتسع للجميع وامتلك من الأخلاق منظومة قيم سامية متكاملة انعكست على سيرة حياة هذا الوفي، الحياة التي ملأها بالحب والتفاني والعطاء وبالأحداث والمواقف والأعمال القيمة، فكان من الرجال الذين صنعوا أشياء بديعة في الحياة حباً وامتناناً.

الراحل الجاسم المتفائل دوماً والمحب للجميع.. عرفته في سوح الثقافة ومحاريب الأدب خاصة، فكان يتصدرها، بابتسامته الهادئة، وصوته الخفيف الرزين، وكلامه
القليل الوافي، كان يأتي من الأحساء بسيارته المتواضعة المهترئه، متجشماً عناء المسافات والسفر وقلة الإمداد وما يحمله من آلام ومصاعب وتحديات الحياة، يحضر الأماسي الثقافية ويجلس بهدوء ويختصر بالكتابة مافيها ويعزز بكاميرا جواله الأهم من محتواها فينقله إلى الآخرين ليستفيدوا كما هو استفاد ويرتقوا كما هو أرتقى، دون أن يفرق بين هذا وذاك.

كل شيء يمكن إخفاءه إلا رائحة رجل ترك فينا الجمال، كل شيء يمكن إخفاؤه إلا خطوات رجل تتحرك في داخلنا، كنا نجلس على طاولة واحدة تجمعنا أطر ثقافية واحدة وخطط مستقبلية نناقشها، فكان متسع الصدر، منفتح على الآخر، يعي مايقول، ويصمت وينصت كثيراً، ويقدم أكثر، ولا تفارقه الابتسامة إذا ما خولف في الرأي.

هو من الرجال المميزين، القادرين على تأصيل العلاقات بين الآخرين، ولذا كان له الدور الأمثل في تأصيل علاقتي بالمرحوم الأستاذ الأديب جاسم على الجاسم أبو فيصل رحمه الله عن طريق اختياري للإشراف على قصص أبي فيصل الأدبية وكتبه قبل طباعتها وتصويب ما تتطلبه، وكان حلقة وصل عظيمة بيننا في هذا المجال، حتى إذا قويت علاقتي بأبي فيصل بقي يراقب ويمد جسور العلاقة بيننا بما هو مجد على مستوى الثقافة والأدب والقص خاصة، حتى أن علاقتي به وبأبي فيصل وصلت إلى صداقة وأخوة تكللتا بالثقة التامة عقبتهما رفقة لحضور مجالس الأدب المختلفة وزيارات بيتية حميمة، وصحبة سفر خارج المملكة وداخلها مملوءة بالبهجة والثراء.

ومما هو جدير الذكر أنه عندما توفى الله أبي فيصل، أبي ضيف هو أول من أخبرني هاتفياً بذلك في لحظته باكياً منتحباً، وعندما التقيته عند قبر أبي فيصل تعانقنا كثيراً وبكينا أكثر ملتصقة صدورنا ببعضها، ولم تزل كلمته ترن في أذني (راح أخوك أبو فيصل ياعبدالله).. ومن ذلك الوقت لم ألتقِ به سوى بالهاتف صوتياً، لاسيما في ظل هذه الجائحة كورونا، كان يمدني بأخباره وأطمئن عن صحته التي كانت للأسف في تدهور مريب مؤلم، وكذلك بالواتس أب عبر الرسائل التي مذ عرفته كان يمدني والأصدقاء بالأخبار وبما يستجد من أمور الثقافة والأدب وينقل لنا نصوص بعضنا البعض، نعم لم أره وكأن القدر يقول لي بأن تلك المعانقة، هي آخر ما ستتلقاه منه في هذه الحياة، وقد صدق القدر وأوفى، واليوم فقد زف لي خبر رحيله أخيه الكريم حسين أطال الله في عمره.

رحمك الله يا أبا ضيف، لقد فقدت بفقدك أخاً وصديقاً ورفيقاً ثانياً بعد أبي فيصل ندر نظيركما في الحياة، كيف لا وأنتما المتناسلان من هذه الأسرة العريقة الكريمة أسرة الجاسم؟.

٨/٩/٢٠٢٠م

اترك رد