ثقافة الإنتاج والإبداع في ظل الأمور التي تشغل المجتمع

هجر نيوز | هجر ميديا :

كلمةالـشـيـخ عـبـدالـلـه الـنـمـر:

في مسجد الرسول الأعظ(صلى الله عليه وآله وسلم). 

▪️ من أهم الأمور التي تشغل المجتمع غير مسألة وباء الكورونا هو موضوع الحركة الاقتصادية الشائكة، وهذا يحوجنا إلى أن نفتح بابًا لنرجع إلى المسيرة الطبيعية لأي مجتمع في حركته الاقتصادية.
فأي مجتمع إنما تكون عنده قوة ومُكنَة واستقلالية وقدرة للوقوف على قدميه هو بمقدار ما ينتج وبمقدار ما يستغني به من إنتاجه عن الآخرين، والأمم اليوم تتنافس على هذه المعاني.

▪️ إلى عهد غير بعيد كنا في هذه المجتمعات وفي هذه المناطق والحواضن الزراعية، وكان آباؤنا وأجدادنا يزرعون ويأكلون مما يزرعون، وكنا بدائيين نسبياً وكان من المفترض أن نتقدم كما تتقدم الأمم الأخرى، ولكن مضت علينا مرحلة زمنية ليست بالقصيرة، لم نبقِ فيها الحركة الانتاجية كما كانت من قبل وإنما اكتفينا بالاستهلاك لا أكثر!.

▪️ اليوم الجيل الجديد يجب أن ينهض نهضة واقعية، لا كما كانت الثقافة السائدة في فترة زمانية سابقة، وهي أن الشاب يدخل بمرحلة دراسية لكي يتخرج ثم يأخذ الشهادة لينتسب إلى وظيفة.
إن هذا المنهج تبين وثبت فشله، فلذلك يجب أن نوجد مهارات وقدرات واقعية، لا شهادات رسمية فقط وعناوين شكلية لندخل في وظائف كنت قد عبّرتُ عنها – قبل أكثر من عشر سنوات – أنها بطالة مبطنة، حيث نجد أن هذا الإنسان – واقعاً – لا يُنتج ولا يبدع ولا يمتلك قدرة حقيقية عليهما، ولكنه يمتلك عنوان الشهادة وعنوان الوظيفة والراتب ويستهلك إنتاج أمم أخرى!.

▪️ اليوم – يا أحبتي وإخواني – أنا لا أتكلم نظريًا وإنما أريد أن أقول هذا المعنى، وهو أنه يجب أن نزرع ثقافة الإنتاج والإبداع والمهارة، و يجب أن يتعلّم الشاب منذ الصغر أن يمتلك قدرة على أن يعمل وينتج، فاليوم مجال الإبداع مفتوح على مصراعيه بمختلف التخصّصات.

ويجب أن يكون هناك انتاج واقعي وإبداع، وأن ننتج أشياء نعرضها على الأمم الأخرى فتشتريها تلك الأمم، لا أن نكتفي برفع عناوين وشعارات فقط.

▪️ لا شك أن البُعد الأخلاقي والثقافي هو هوية الأمة، وأصل أن يكون للأمة هوية ووجود مستقل إنما يُتقوّم بالأخلاق والثقافة.
▪️ اليوم من الطبيعي أن نجد الأجيال تتوارث هذه الهوية من قيم وأخلاق، ومجموعة من المفاهيم التي نجد أن المسلمين يحافظون عليها وكذلك الديانات الأخرى.

نعم كل جيل يختلف عن الجيل السابق على نحو فاصلة ما وهذا أمر إنساني طبيعي، ولكن أن يَحدث هذا الانشقاق وهذا التمزق بين الجيل السابق والجيل اللاحق على مستوى الأخلاق والثقافة، بحيث تجد أن هناك بونًا شاسعًا بينهما، حتى لا تكاد تعرف أن هذا الشاب هل هو مسلم أو مسيحي أو بوذي؟ مع أنه يعيش في بيئة مسلمة!.

وكل ذلك لأن آليات الأخلاق والثقافة تغيرت، حيث كانت البيئة قبل عقود من الزمان صغيرة والأسرة كذلك، وتتوارث وتتفاعل في ثقافتها وقيمها بشكل طبيعي وسلِس، أما اليوم فنجد أن هذه الأسر مخترقة ومثقوبة من أكثر من جهة، وتدخلها الأفكار والثقافات والمفاهيم الأخرى بشكل عنيف، حتى أنه لم يعد للجيل السابق القدرة على توريث قيَمه ومفاهيمه وأفكاره إلى الجيل اللاحق.
بحيث تتفاجأ بأن قسمًا من الشباب ومن الطاقات الجديدة لم تَرث من آبائها وأجدادها إلا معالم عامة وفارغة، وهذا جرس خطر كبير.

▪️ نحن لا ندعو إلى مجرد توريث قيم ومفاهيم كما يورِّث البوذي والمسيحي واليهودي، وإنما ندعو إلى وعي صادق وإلى ثقافة حقة، وندعو إلى إيمان صادق مبني على علم منطلق من صدق مع الذات ومع الكون ومع الارتباط بالله عز وجل.

▪️ اليوم مجتمعنا ليس ضعيفًا اقتصاديًا فقط بل ما هو أشد وأكثر خطورة من ذلك، وهو أن يكون فارغًا من هويته، فالجيل القادم يجب أن يَستوعب ماذا يعني وما معنى أن يكون منتميًا إلى هذه الطائفة وهذه الفئة؟.

ولعله قد كررتُ – في مرات سابقة – وأكدتُ هذا المعنى، وهو أنه إذا كان للبشرية أن تنجو من مخاطر في غاية الصعوبة فإن ذلك يكون بكم أنتم يا أتباع النبي محمد وآل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم).

▪️ اليوم الإنسانية تأن وتتلظى من حالة التفكك الأسري والتمزق الداخلي والضياع العقائدي، وتتألم من الداخل بالآلام الشديدة قبل الآلام الخارجية، فالبنية الإنسانية أصبحت بنية هشة متخلخلة، والإنسان أصبح لا يدري ماهي الإنسانية وما هي هوية الإنسان؟.
فاقرؤوا واطلعوا على ما يقدمه الغرب والشرق اليوم من أفكار في فهم هذا الوجود وفهم هذا العالم، ستجدون أن هناك متاهة ومضيعة وخللًا كبيرًا في عقائد الناس وفي فهمهم وإدراكهم لطبيعة هذا الوجود.
▪️ أنا لا أدعي أننا ننطوي على كل أسرار هذا الكون وفهمه بالصورة الصحيحة التامة العليا، ولكني أجزم أنه لا يوجد طرح أقرب إلى الواقع وأقرب إلى المحافظة على هوية الإنسان وسعادته وحياته ومستقبله كما ينطوي عليه هذا المجتمع وهذه الطائفة وهذه الأفكار.
فنحن بحمد الله تعالى نؤمن بالله عز وجل وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) ونلتزم بذلك، وإلى الآن عندنا مقدار كبير من الالتزام بهذا المنهج.
وهذا الالتزام كما استلمناه بجهود وتضحيات علماء وشهداء يجب أن نورِّثه وأن نوصله ونسلمه – أمينًا صافيًا خالصًا – إلى أجيالنا اللاحقة.
نرجو من الله العلي القدير أن يحفظ أمتنا وطائفتنا ومجتمعنا وشبابنا على كافة المستويات الأخلاقية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

📽️ ١١ دقيقة

اترك رد